السيد حيدر الآملي
263
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
وقال في موضع آخر : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [ سورة ص : 71 ] . وقال في موضع آخر : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [ سورة الحجر : 26 ] . قال المتكلَّمون : وإنّما خلقه اللَّه على هذا الوجه ، إما لمحض المشيئة ، أو لما فيه من دلالة الملائكة على كمال قدرته وعجيب صنعته ، لأنّ خلق الإنسان في هذه المراتب أعجب عندهم من خلقه من جنسهم . إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنّ كلامه عليه السّلام هاهنا يجري مجرى ( الترتيب ) التفسير لهذه الآيات ( 105 ) .
--> ( 105 ) قوله : أنّ كلامه عليه السّلام هاهنا يجري مجرى التفسير لهذه الآيات . أقول : لمّا قال اللَّه سبحانه : * ( وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) * [ سورة الأنعام : 59 ] . وقال : * ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناه ُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ) * [ سورة يس : 12 ] . وقال : * ( قُلْ كَفى بِاللَّه ِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَه ُ عِلْمُ الْكِتابِ ) * [ سورة الرعد : 43 ] . وقال : * ( إِنَّه ُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّه ُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) * [ سورة الواقعة : 77 - 79 ] . وقال : * ( إِنَّما يُرِيدُ اللَّه ُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * [ سورة الأحزاب : 33 ] . وقال النبيّ ( ص ) حينما نزلت آية التطهير فدعا فاطمة وحسنا وحسينا وعبّاس ( ع ) ، فجلَّلهم بكساء : اللَّهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا . ( راجع تعليقنا 156 ص 502 في الجزء الأول من التفسير المحيط الأعظم ) . ولمّا كان أهل البيت عليهم السّلام وهم عترة النبيّ ( ص ) دائما مع القرآن والقرآن معهم . تشريعا وتكوينا ، جعلا حقيقيّا واعتباريا من قبل اللَّه سبحانه وتعالى - لما قال رسول الخاتم ( ص ) : إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللَّه عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي ، ألا وهما الخليفتان من بعدي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض . ( راجع تعليقنا 112 ص 434 في الجزء الأول من تفسير المحيط الأعظم ) . فإذن يكون كل كلام صدر منهم عليهم السّلام تفسيرا للقرآن الكريم وبيانا له ، وأيضا يكون الإنسان الكامل صورة كاملة من القرآن ، والإنسان الكامل هو الإمام المبين والولي المطلق وهو القطب في العالم وقلبه كما قال علي أمير المؤمنين عليه السّلام : وانّما أنا قطب الرّحا تدور عليّ وأنا بمكاني . نهج البلاغة خ 119 . وقال : انّ محلَّي منها محلّ القطب من الرّحا ، ينحدر عنّي السيل ، ولا يرقى إليّ الطَّير . نهج البلاغة خ 3 . وكما جاء في مناظرة هشام بن الحكم مع عمرو بن عبيد أبي مروان ، قال هشام عند الإمام الصادق عليه السّلام : قلت له : يا أبا مروان فاللَّه تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماما ( أي القلب ) يصحّح لها الصحيح ويتيقّن به ما شكّ فيه ، ويترك هذا الخلق كلَّهم في حيرتهم وشكّهم واختلافهم ، لا يقيم لهم إماما يردّون إليه شكّهم وحيرتهم ، ويقيم لك إماما لجوارحك تردّ إليه حيرتك وشكّك ؟ ! فضحك أبو عبد اللَّه ( ع ) وقال : يا هشام من علَّمك هذا ؟ قال : شيء أخذته منك وآلفته ، فقال عليه السّلام : هذا واللَّه مكتوب في صحف إبراهيم وموسى . أصول الكافي ج 1 ، ص 169 ، الحديث 3 . يعني ان كون الإمام الحقيقي الَّذي جعل من قبل اللَّه تعالى إماما على الخلق هو قلب العالم بين الناس وما جاء في كلام اللَّه سبحانه وتعالى في صحف إبراهيم وموسى عليهما السّلام ، إضافة على انّه عليه السّلام أيّد قول هشام بأن الإمام قلب بالنّسبة إلى العالم فالعالم حيّ بحياة الإمام فلو عدم الإمام عن العالم انعدم العالم . فالإنسان الكامل هو خليفة اللَّه في أرضه وهو الجامع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العليا وهو الَّذي يتخلَّق بأخلاق اللَّه سبحانه وتعالى ، بما أنّ شأن الخلافة تقتضي ذلك كلَّه . على أنّ العالم كلَّه ظاهره وباطنه أيضا تفصيل وفرقان للقرآن ، فإذن العالم والإنسان والقرآن شيء واحد ولكن في صور مختلفة .